|

اذا كانت القيادة الايرانية غير مدركة في بداية الثورة على نظام حكم الشاه خطورة الشعارات التي رفعتها، وهي شعارات معادية لمعظم نظم العالم، فإنها ينبغي ان تدرك اليوم ـ ولو متأخرا ـ ما نتج عن تلك الشعارات الثورية من تشكيل جديد لاقليم الخليج، وما سوف يطرأ مستقبلا عن قريب لجديد الشرق الاوسط. هذه التشكيلات والقواعد العسكرية الضخمة التي اصبحت جزءا من المنطقة اليوم، كلها قد جاءت لتحمي مصالحها في حال إقدام قيادة الثورة الايرانية في بداياتها على ترجمة شعار تصدير الثورة الى واقع على الارض.. بمعنى ان قيادة جمهورية ايران الاسلامية ومن خلال شعارات غير واقعية هي التي تسببت في تواجد هذه الترسانة الحربية الهائلة في المنطقة قبل ان يقدم النظام العراقي المقبور على فعلته تجاه الكويت، والذي زاد من تأكيد الدول الكبرى على تبريرات بناء قواعد ثابتة. الآن مضى على الثورة الايرانية ثلاثة عقود الا قليلا، وهي فترة يفترض انها كافية لاكتساب مهارة الحكم وقدرة التعامل المسؤول، كما ان اقليم الخليج، بما فيه جمهورية ايران، يعيش بحبوحة ارتفاع اسعار النفط التي بفضلها ـ اذا ارادت انظمته بما فيها ايران ـ سوف تتمكن من بناء تنميتها على النمط الحديث لتوفر لشعوبها حياة الرفاهية ولأوطانها الامن والاستقرار.. في الوقت ذاته لدى ايران علم اليقين ان ليس لديها القدرة ولا لدول المنطقة على ازالة هذه القواعد العسكرية ورمي طواقمها في البحر بالقوة الا اذا ارادت لنفسها ولمن حولها الدمار الماحق، وهو امر لا يمكن ان يقدم عليه من لديه الحد الادنى من الوطنية وذرة من الخوف على شعبه. نحن نتحدث الآن بمناسبة الاعتداء الآثم الذي تعرض له الدبلوماسي الكويتي وهو اعتداء لا شك انه خال من الدوافع الشخصية وتقف وراءه جهة ارادت من هذا الاعتداء التعبير عن احتجاجها على تواجد القواعد والجيوش الاجنبية في المنطقة.
طبعا، مثل هذا المنطق الخالي من المسؤولية يمس سمعة الثورة التي نعتقد انها بعد هذه المسيرة الطويلة قد وصلت الى مرحلة النضج ويعرض قادتها، الذين دائما يؤكدون على العلاقات الطيبة التي تربط ايران بدول المنطقة على الاخص الكويت، الى الحرج الشديد. من هنا نتمنى على القيادة في ايران ان تحسم امرها في موضوع امن اقليم الخليج ومنطقة الشرق الاوسط، وان ترسم لمصالحها خريطة قائمة على التوافق لا على التنافر وامتطاء الشعارات الحماسية، وان تدرك تماما ان هذه المنطقة حيوية بالنسبة لبقية شعوب العالم، وان للدول الكبرى مصالح لا يمكن ان تسمح لاحد المساس بها باي حال من الاحوال حتى لو تطلب ذلك استخدام القوة، وان هذه القوة غير متوافرة لدول المنطقة، وتتفوق من حيث المقدرة القتالية والتدميرية على ايران إلى حد لا يمكن وصفه في الخيال اذا ما اصرت ايران على المنازعة ميدانيا، وهو شيء في حكم المنطق سيجلب الويل والدمار لدول وشعوب المنطقة قاطبة. اذا، ليس امام القيادة في الجارة المسلمة ايران الا التحلي بمزيد من التروي والحكمة في موضوع التعامل مع مصالح العالم، والتفاهم مع الدول الكبرى على تنمية هذه المصالح بما يعود بالنفع على الجميع بدل ان تجلب الدمار للجميع بفضل حماقات ترتكبها جهات غير مسؤولة في ايران!
سعود الزيد القبس في 23 يونيو 2007
|