|

الذين يشتكون من الدستور والمشاركة الشعبية في صنع القرار ويتذمرون من أن هذا الدستور عائق للتنمية والاستقرار، ومن ثم يدفعون في اتجاه وقف العمل به، هؤلاء الذين يتوارثون عقدة الكراهية للناس ويمقتون مبدأ مشاركتهم في صنع قرارهم ومستقبل ابنائهم وصيانة كرامة وطنهم، مازالوا حتى الآن لم يستوعبوا كلمة صاحب السمو في لقائه مع ابناء الاسرة حين تفضل سموه بالرد الشافي والحاسم عليهم حيث قال، حفظه الله: العيب ليس في الدستور، بل العيب فيكم انتم!
نعم، انتم يا من تنادون اليوم بضرورة العمل على التخلص من نظامنا الدستوري الذي صاغه الآباء والاجداد وتوافقوا عليه مجتمعين حكاما ومحكومين، نعم العيب فيكم والمشكلة عندكم وليست في الدستور، فانتم وحدكم غير قادرين على التأقلم مع النظام المؤسس الذي يعمل على فصل السلطات مع تعاونها وفقا لاحكام الدستور، ويمنع اي سلطة منها النزول عن كل او بعض اختصاصها المنصوص عليه في الدستور، فانتم لا تريدون هذا، بل تريدون خلط كل السلطات تحت ايديكم لتكون سلطتكم مطلقة وتحولوا الحاضر الذي تتسابق فيه الامم على ابتكار كل جديد من شأنه أن يعزز الحريات، ويرتقي بالشعوب الى مزيد من الرفاه الى ذلك العهد الذي يقطع فيه المسؤول ورقة من الرزنامة التي على مكتبه في الدائرة ثم يوقع عليها ويناولها لاحد موظفيه ليجلب له من دائرة المالية مئات الألوف من الروبيات بعيدا عن اي اجراء مالي او محاسبي! نعم، الوضع الذي نعيشه حاليا غير طبيعي، ويتسم بالركود او قل بالتراجع اذا شئت وفي حساب الاجتهاد نحو التقدم فربما يكون تحت الصفر قياسا على ما كنا عليه في بدايات الاستقلال، لكن هذا الوضع له اسبابه التي لم يكن من بينها الدستور على الاطلاق الا اذا اعتبرنا الانقلابات التي تمت عليه معوقات واسبابا.. وهنا نقول: نعم: إن ما يعاني منه البلد اليوم ليس سوى تداعيات عمل من مكان ينظر إلى الدستور على أنه خطأ تاريخي لا بد من التخلص منه تماما كما هو رأيكم اليوم. ان ما يعاني منه البلد اليوم ليس سوى نتيجة للاستيلاء على السلطة والهيمنة التامة على مصالح البلد والقرارات الخارجة على صلب الشرعية الدستورية، ففي الفترة ما بين يناير 67 حين تمت اول عملية انقلاب على الدستور من خلال التزوير المباشر بدأت القوى المعادية له داخل السلطة بالعمل على خلق وضع يكون فيه من الصعب على الناس ان يدفعوا باغلبية تعمل على تطبيق صحيح مواده، حيث اخذت تتصرف بمقدرات البلد من اجل هذه الغاية بدءا بفتح باب الخدمات للموالين والاعوان وانتهاك القوانين مرورا باستخدام المال السياسي اضافة، وهذا هو الاهم، الى فتح باب التجنيس تحت شروط هذه الغاية. وأثناء الفترة من 1976 التي تمت فيها عملية الانقلاب الثانية على الدستور اخذت القوى المعادية له بتوسيع نشاطها لتجفيف منابعه فعملت على اغلاق كل جمعيات النفع العام التي من شأنها ان تشكل محاور معارضة لتلك الاجراءات التي اتخذتها السلطة واستبدلت اداراتها المنتخبة بادارات قامت بتعيينها بانتقائية محكمة، واغرقت جمعياتها العمومية بعناصر تأتمر باوامرها لتضمن استمرار من قامت بتعيينهم او من على شاكلتهم الى امد بعيد من اجل ان يقوموا بتأييد ومباركة خطواتها المقبلة وكان لها ذلك حيث قامت باللعب في قانون الدوائر الانتخابية ومزقته الى خمس وعشرين دائرة بدل الدوائر العشر كي تتحكم في الانتخابات، وتدفع بمن تريد الى البرلمان حتى تتمتع بممارسة السلطة المطلقة من دون ادنى معارضة من تلك الجمعيات.. بل بمباركتها! .. وللحديث بقية.
سعود السمكه القبس في 4 أغسطس 2007
|