|

تفشي الواسطة في كل مجال ليس بأمر مستورد، وتفشي الفساد في أمور كثيرة لم ينتقل إلينا كعدوى من دول مجاورة، أو دول تقع في منطقتنا أو خارجها. علتنا بصراحة 'منا وفينا' ولم يفرضها أحد علينا، فبمجرد توخي العدل والنظافة من مسؤول في بداية عمله، تفاجأ بعد فترة بأن ذلك المسؤول الذي كان يتشدق بمحاربة الواسطة والفساد قد 'تفرعن' وأصبح الآمر الناهي، وهو الذي يشيع الفساد من خلال منصبه بل و'يجير' كل شيء لمصلحته وجوقته، ضاربا عرض الحائط بالذمة والضمير وبمستقبل هذا الوطن المسكين المبتلى به وبأمثاله! وللتدليل على ذلك فأنا أدعوكم لقراءة هذا المثال: بخطاب واضح موجه الى ادارة الهجرة من مدير ادارة الصحة العامة بإحاطة ادارة الهجرة علما بأن احد الوافدين من الجنسية المصرية غير لائق صحيا ولا يصلح للعمل بسبب اصابته بمرض 'التهاب الكبد الوبائي - ج' Hepatitis Type C ويرجو مدير ادارة الصحة العامة باتخاذ اللازم نحو عدم منحه اقامة وتسفيره وادراج اسمه ضمن الممنوعين من دخول البلاد مستقبلا، وذلك وفقا للقوانين والنظم المتبعة في مثل هذه الحالات. هل هناك أوضح من ذلك الخطاب؟ وهل يعني أي معنى إلا ضرورة 'التسفير' ومنع دخول الوافد مستقبلا، حفاظا على صحة سكان الكويت من تفشي الأمراض المعدية؟!
ولكن هذا الوافد أصرت الوزارة على التعاقد معه بحجة ان هناك حاجة ماسة الى خدماته، وكأن البلد خلا من الكفاءات! وليت الأمر توقف عند ذلك، بل هناك خطاب من قيادي بتلك الوزارة يشير الى أنه تمت الموافقة على تأجيل الكشف الطبي لمدة سنة.. وكأن ذلك المرض سيكمن ويصبر لمدة عام كامل ولن ينتشر، وكأن ذلك المريض سيشفى خلال ذلك العام بطريقة أو بأخرى وعندما يعاد الفحص عليه مرة أخرى بعد عام كامل سيختفي يروس الكبد الوبائي من نوع 'ج' ولن يبقى له أثر أو 'تأثير' تماما، وستكون النتيجة سلبية. صدرت له إقامة، ولديه عقد مع الوزارة، ومارس العمل ضاربين عرض الحائط بالقوانين وبالصحة العامة. كم كان بودي ان أوجه خطابا لوزارة الداخلية لأناشدها لإلغاء إقامة هذا المريض وتسفيره وفقا للقوانين المرعية، ولكن ما أوده وماهو مفروض وضروري شيء، وما ترسمه الواسطة شيء آخر تماما، فوزارة الداخلية هي مركز عمل المذكور ولم 'تقصر' معه ضاربة عرض الحائط بالقوانين.. وهي من تعاقدت معه وهي من وضعت له الاقامة والمراسلات جميعها بتوقيع قيادي بالداخلية! إذا كانت وزارة الداخلية، المفترض بها حماية الأمن ضد الجريمة والواسطة، وهي السد المنيع أمام عدم تفشي الأمراض المعدية من خلال التسفير ومنع الدخول وغيرها من الاحتياطات الواجبة.. فهي ومن خلال موظفيها، وأحد قيادييها من استباح النظم والقوانين.. وكسرها على الاخر بتوقيعين أو ثلاثة وكأن الأمر لا يعنيها أبدا!.. الأمثلة كثيرة وخطيرة ولكن كما قلنا في البداية، الواسطة والفساد والعبث ليست أمورا مستوردة، وإن كانت في السابق فهي اليوم صناعة كويتية وطنية بحتة، بل إننا تفوقنا بها على من هو حولنا من الدول والشعوب! إذا 'علتنا منا وفينا' والاصلاح 'يبيله رجال' وللأسف، الكثير وسيصبحون الأغلبية، هؤلاء الذين كثر كلامهم عن الاصلاح وقل فعلهم، بل هؤلاء لا يرمش لهم جفن عند الإضرار بهذا الوطن وتغليب مصالحهم على مصلحة الوطن.. فمن أين يأتي الإصلاح؟!
د.ناجي سعود الزيد القبس في 7 نوفمبر 2007
|