|

قد يلاحظ المراقب بوضوح حين يخضع العقود الأربعة الماضية من القرن الماضي لقراءة متأنية محايدة للنشاط السياسي للحكومات الكويتية التي تواترت على الحكم منذ ان بدأ العمل بالصيغة الحديثة للدولة المتمثلة بالدستور، وما يترتب عليها من ضرورة المشاركة الشعبية في صنع القرار.. ان الجهد الحكومي كان منصبا بصورة مباشرة وكاملة على كيفية الغاء، أو على الاقل تحجيم هذه الصيغة الجديدة المتمثلة بالدستور، وبالتحديد فيما يتعلق منها بالمساءلة والرقابة والحريات بكل أوجهها. هذا الجهد التخريبي الذي كرسته الحكومات المتوالية منذ عام 1967 لم يفلح في تحقيق الهدف الذي يتطلع إليه النافذون في دائرة الحكم كما اسلفنا في المقالة الماضية، وهو القضاء على صيغة الدولة الجديدة المتمثلة بالنظام الدستوري، وكما هو واضح من معطيات العصر الحاضرة والقراءات المستقبلية انه لن يحصل، بل غدا في حكم المستحيل امام هذا الزخم الأممي باتجاه التوسع في المفاهيم الديموقراطية والحريات العامة.
إذا الجهد الجبار الذي سخر من قبل البعض في دائرة الحكم طيلة السنين الماضية من أجل أن يتحقق الهدف، وهو الغاء نظام الدستور، لم ينجح ولم يسفر عن شيء.. بل على العكس فقد عملت نتائج ذلك الجهد على ترسيخ وتقوية التجربة من حيث المبدأ، أما من حيث الممارسة والملاحظات السلبية عليها.. بل والأخطاء والخطايا التي ترتكب باسم الامة من قبل الغالبية من أعضاء البرلمان، وما يعاني منه اليوم الحكم والحكومة من هموم وأزمات بفعل هذه الغالبية، فهي ليست سوى نتيجة حتمية لفعل التخريب الذي مورس ومازال يمارس من أجل تشويه النظام الديموقراطي.. فتدخلات البعض في دائرة الحكم ومحاولاته الحثيثة في تشكيل نوعية البرلمان وتطويع القوانين وخدمات الدولة لهذه النوعية التي بدورها عاثت في البلد فوضى وفسادا هي التي أوصلت البلد الى هذا البعد من التراجع والانحدار.. ليس هذا فحسب بل إن تدخلات بعض ابناء الحكم في العملية الانتخابية والسماح لهم بالوقوف مع هذا ضد ذاك، ومدهم بالمال والخدمات من أجل هذا الغرض جعلت منهم لاعبين اساسيين في الملعب السياسي، وبالتالي فقد ترسخت لديهم قناعة بأحقيتهم بدخول السباق باتجاه المواقع المتقدمة في مراتب الحكم والقرار، الأمر الذي أفرز حالة من التنافر بل والعداء بين ابناء العم بسبب هذا السباق البعيد عن الموضوعية، انعكست على مجمل الأوضاع في البلد، ونالت، وهذا أهم ما في الموضوع، من هيبة الحكم التي هي بالتالي هيبة الأمة، وغني عن القول إن ضعف الهيبة يؤثر تأثيرا مباشرا على قوة القانون وهذا ما وصلنا إليه اليوم، حيث القانون في أضعف حالاته! 'وللحديث بقية'.
سعود السمكه القبس في 27 ديسمبر 2007
|