اكيد نسي ثلاثة ارباعكم فراش البلدية، وأحد ربما لم يعد يتذكر دوره المزعوم في خرابها. فنحن قبل تطوير النظام السياسي وقبل توافر الرقابة البرلمانية والشعبية، كنا نضع كل شيء وبشكل مبالغ فيه على الفراش. منذ تفعيل الرقابة البرلمانية ومنذ ان اصبح الاستجواب سيد الموقف صارت الصكة كلها براس الوزير. بشكل مبالغ فيه اتهمنا الفراش بالامس، وبشكل مبالغ فيه ايضا نتهم الوزير اليوم.
انتشار مرض انفلونزا الطيور من المؤكد سوف يوجه الانظار نحو وزير البلدية باعتباره الملوم والمسؤول عن الجهات التي تفشى فيها المرض. هذا طبعا ان لم يوفر الانتماء القبلي له مناعة خاصة تذود عنه الاتهام والنقد النيابي. فكما اشرت في مقال سابق، فقد عزز التحالف القبلي - الديني وجوده على حساب الاسرة الحاكمة، ففي الوقت الذي يستجوب فيه وزير من ذرية مبارك ويقدم طلب لطرح الثقة فيه يقف، او بالاحرى وقف، هذا التحالف حاميا وحارسا للكثير من الوزراء القبليين الذين ترشحوا للاستجواب. بغض النظر عن هذا، فان المسؤولية كما نراها ليست على الوزير وليست نتيجة سياسته كما قد يتهيأ للبعض وكما قد تتجه الاتهامات النيابية المتوقعة. لقد كان هناك طيور مصابة في حديقة الحيوان منذ مدة. وحسب التقارير الصحفية فان بعضا منها نفق منذ ايام بعيدة. ومع هذا فإن فراشي حديقة الحيوان مثل مسؤوليها مثل المسؤولين عنهم لم يحركوا ساكنا ولم يلفت نظرهم هذا الامر 'الجلل' رغم وجود تحذيرات من المرض ورغم التوصيات الدولية والاقليمية وحتى المحلية بوجوب التعامل بحذر معه. من غير المعقول ان الفراش او المشرف او المكلف بالعناية بطيور حديقة الحيوان لا يكون مهتما بمرض طيورها او يهزه ولو بشكل شخصي نفوق بعض هذه الطيور. هذا دلالة على ان الوظيفة او العمل في الكويت قضية مرتبطة بتوزيع الثروة اكثر منها بالانتاج او الابتكار، ويتساوى هنا مع الاسف الكويتي مع الوافد حيث الكل يقبض آخر الشهر بغض النظر عن انتاجه او ادائه. وزير البلدية ليس مسؤولا عن هذا 'السلوك' تماما كما هو ليس مسؤولا عن مئات وربما آلاف الحظائر الخطرة المقامة في المناطق 'النموذجية' وبين سكن المواطنين رغم انها تقع تحت مسؤوليته واشرافه.
ان هناك تسيبا وإهمالا على كل المستويات. بل ان الاهمال والتبذير اللذين يمارسهما صغار المسؤولين او الموظفين اكثر ضررا من اهمال الكبار او اخطائهم. في كل مكان وموقع حكومي هناك تسيب وهناك عدم مبالاة بالقوانين وعدم مراعاة للسلامة العامة والمسؤول عن هذا هو الناس وليس الحكومة، السلوك العام وليس السياسة الرسمية.. اي ان العلة هذه الايام في الفراش وليس في الوزير.. . او فينا نحن ان شئنا ان نكون اكثر صراحة.
***
حتى أنت..!
الزميل احمد الربعي كتب مدافعا عن الحرية وعن التدوين بالذات يوم امس الاول. لكن يبدو انه لسبب ما احس بانه خرج عن الدائرة التقليدية التي وضع نفسه فيها منذ زمن، فكتب يوم امس مقالا مخالفا دعا فيه الى ضرورة ايجاد وسائل وابتكار حلول ل'ترشيد' المدونات والى الالتزام بالاسطوانة اياها.. المسؤولية والاخلاق.
ليس هناك اخلاق.. إلا اخلاق السادة والمهيمنين ومن يسعون الى تكبيل الغير والاحتفاظ بامتيازاتهم وما استحوذوا عليه . وليس هناك مسؤولية لانه على قولة عادل امام، وهذه ليست نكتة بل حقيقة ساطعة، ليس من المفروض ان تقبل الجدل 'كل واحد مسؤول عن لقاليقه'، بمعنى انه ليس من حق القوى المسيطرة ومن يهوى التسلط والبطش ان يحدد للغير مسؤوليته ويملي عليه سلوكه. اذا كانت القوى الناهضة ملزمة بمراعاة شعور وعادات وتقاليد وموروث القوى المحافظة - وهذه هي الحال دائما - فلماذا لا تكون القوى المحافظة ايضا مسؤولة عن مراعاة حرية هؤلاء والشعور بمسؤولية ضمان حقهم في التعبير..؟! لكن مع الاسف المسؤولية والاخلاق هما فقط لتقييد الجديد ولتكبيل قوى التقدم، اما القوى المحافظة فمسؤوليتها الوحيدة تنحصر في الحفاظ على ما هو قائم وتمجيد التخلف والمعتق من موروث.
الحديث عن وجود منابر لاثارة الطائفية والنعرات بين الناس ليس صحيحا على الاطلاق. فمنابر الرأي مهما كانت لم تؤثر ولن تؤثر في يوم في شعور وحس من يعتقد انها مجرد رأي او مجرد لغو. ما يثير الحنق وما يولد الحقد هو الممارسة وهو التحيز العملي. لقد مضت قرون وقرون والمسلمون وخطباؤهم يلعنون اليهود والنصارى ولم يحتج احد. لكن تحول اللعن في السنوات الاخيرة الى قتل وتصفية وارهاب وهذا ما اثار ويثير المعنيين. ليس هناك خطر في الكلمة الا على الحمقى او من يريد ان يستغلها لتكبيل او ايذاء الغير.
اذا آمنا بان المسؤولية تعني احترام 'الموجود' فكيف يكون التغيير؟!.. واذا التزمنا اخلاقيا بعدم الاساءة الى معتقدات او موروث احد فكيف نطرح ما نؤمن به من جديد الفكر والمعتقد؟!
عبد اللطيف الدعيج
القبس في 28 فبراير 2007