|

سجل ابن أبي أصيبعة في كتابه 'أغاني زرياب في مقاهي المرقاب'، وتحديدا في الفصل الثالث 'الثعلب فات فات.. في تشكيل الوزارات..' ان فتاة فاتنة الجمال والصوت يقال لها 'شرباكة' قد أهداها أبو الفضل بن شهبوان ساكن منازل الدخل المحدود في خيطان لأعرابي جائع نزل في قهوة بوناشي في ليلة مظلمة، فلم يلحظ جمالها ولم يسمع صوتها بسبب الجوع والظلام فباعها بتسع روبيات إلى صاحب مطعم البصرة في دروازة عبدالرزاق، فلما أقبل الصباح ذهب الأعرابي وطلب صحنا من الباجه فسمع صوت غناء جميل، وعندما اقترب منه رأى وجها لم ير مثله قط، فأصيب بمرض منتشر في ذلك العصر اسمه 'عقر بقر'، وقد ذكره ابن أبي صماخ في كتابه الشهير 'أعشاب الفنطاس التي تنبت في المجاص'، والمهم انه رأى وجها كالبدر فظل يلاحق الفتاة أياما طويلة من أجل اقناعها بدخول التشكيلة الوزارية، حتى رآها يوما وهي تشتري الحناء من شاب مهري فأخبرته بأنها الفتاة التي باعها بتسع روبيات في الظلام، فلما علم بالقصة قتل نفسه وكتب بدمه 'لا يشكلن أحد منكم وزارة في الظلام'، ومنذ تلك الحادثة مرورا بالثاني من اغسطس 1990 حين جاء الى البلاد جراد أسود فانقطع الزرع وجف الضرع، لم يسمع احد بنصيحة شهيد الحب هذا، وظلت سكة عنزة تبيع أجمل ما فيها بدراهم معدودات في الظلام، فانتكست الوزارات، وعمت الفوضى في المجالس والمنتديات! حتى جاء يوم جلس فيه الناس في مجلس الخليفة المأمون في بغداد، وكان يجلس بجانبه أحد مدعي الحكمة، وكان لا يستطيع احد مهاجمته لقربه من الخليفة المأمون، لكن شابا في مقتبل العمر انتظر حتى انتهى هذا المدعي من حديثه فقال له 'لو ان ما فيك من الجهل عقل، وقسم على مائة خنفسة لأصبحت كل واحدة منها أحكم من أرسطو طاليس'، ومن يومها عرف كل شخص قدره في المجلس وتوقف الخليفة عن تشكيل وزارات 'من كل فريج واحد' فشعر سكان البلاد بالراحة وبدأوا يتوافدون على البراحة، والخليفة يجلس فوق منصة كبيرة ويقرأ اسماء الوزراء، فاطمأنت القلوب وصفت النفوس وارتفعت أسعار النفط في خراسان وبلاد الواق واق، وأصبحت معاملات المواطنين في الوزارات لا تستغرق سوى دقائق معدودات، وأصبح لا يذهب الى العلاج في الخارج سوى المحتاجين، بعد ان دفعت وزارة 'من كل فريج واحد' مبلغا قدره 180 مليون دينار فقط لا غير للعلاج في الخارج، في ظل تنافس بين مدير البيمارستان ومدير إدارة الجند ومدير إدارة العسس، من أجل دعم بعض الحاشية والغلمان في انتخابات دولة فوضستان القادمة!
وقد كتب العبد الفقير الى ربه هذه الرسالة في سنة ست وأربعين قبل الميلاد، وأرسلها الى نفسه في البريد العادي، لمعرفته انها لن تصل!
د.أحمد الربعي القبس في 14 مارس 2007
|